كتب: فريق تحرير بـ”HAPC“
إن التوقعات الجيواستراتيجية لعام 2026 المتعلقة بدول حوض النيل ودول القرن الأفريقي والبحر الأحمر يظلّ بين احتمالية احتدام الصراع أكثر منه إلى التعاون الثنائي أو الجماعي.
فبالنظر إلى تشابك المصالح بين الأطراف الدولية والإقليمية لدول جنوب وشمال شرق أفريقيا، وبالإشارة إلى الواقع الراهن، فإنه لاينبئ بتحقيق الاستقرار والتعاون الجماعي على المدى الطويل بين دول هذه المنطقة.
بل إن مصالح الأقطاب الدولية الفاعلة ذات العلاقة تكاد ترسم خارطة تشكلات جديدة تشهدها دول حوض النيل ودول القرن الأفريقي فيما يخص الملفات الساخنة حول محور النزاع لدول مياه النيل واستراتيجية النفوذ في ملاحة البحر الأحمر.
وبالتالي، فإن إثيوبيا هي الفاعل الرئيسي والأقوى في مسرح الاعتراك الجيواستراتيجي في معادلات القضايا الساخنة للمنطقة.
إثيوبيا وثقلها المركزي بين دول جنوب شرق أفريقيا:

إن مؤشرات الدولة ذات الثقل تتوقف على مؤشرات طبيعية كجم الموارد البشرية المتنوعة، وكذا الموارد الطبيعية، وكبر المساحة الجغرافية،وامتلاكها المنافذ البحرية، ومؤشرات التطور السياسي والاقتصادي كحجم تواجدها على المسرح السياسي الدولي والعالمي، بالإضافة إلى التطور باستخدام التكنولوجيا في عملية الإنتاج القومي وفي تطور البنية التحتية.
ومن ثم، فإنّ أثيوبيا تمتلك بعض المؤشرات الطبيعية كالمساحة الواسعة، وكبر عدد السكان، وتميز أرضها الزراعية بوجود عدد من الأنهار، ولكنها تفتقر لبعضها الآخر كالمنفذ البحري باعتبارها دولةً حبيسة منذ سبعينيات القرن الماضي عندما أعلنت إرتيريا نفسها كدولة مستقلة عنها ذات سيادة؛ كما أنها تتمتع بحضورها الدولي والعالمي كدولة ذات ثقل دبلوماسي، وتشهد تطورًا ملحوظًا في البنية التحتية، ولكنها تفتقر لبعض مقومات هذا التطور، مثل عدم الاكتفاء الذاتي من الطاقة بالنظر إلى سعة مساحتها وحجم سكانها، وعدم تقدمها الصناعي بالشكل المطلوب، بالإضافة إلى وجود التنوع العرقي والإثني والديني على حدٍّ سواء
في مكونها السكاني المتشكل عبر عمقها التاريخي، والذي يجعل بوادر الاستقرار الداخلي شبه مستحيل.
وبناءً على ذلك، فإن أثيوبيا تمثل لاعبًا أساسيًا ومحوريًا بين دول حوض النيل من جانب، وبين دول القرن الأفريقي والبحر الأحمر من جانبٍ آخر.
فهي تسعى على الدوام إلى تحقيق نواقصها الجيواستراتيجية من خلال إيجاد منفذ بحري يطل على البحر الأحمر، ومن خلال التحكم والاستفادة بقدر الإمكان على مسارات وبعض منابع نهر النيل كاستثمارها لمشروع سد النهضة في الطاقة ومجالات الزراعة.
بالإضافة إلى تطلعاتها السياسية إقليمياً ودوليًا من خلال السيطرة والنفوذ كغيرها من الدول الطامحة ولو كان على حساب جاراتها.
واستنتاجًا لما سبق فإن تداخل أسباب وعوامل عديدة تطرح تساؤلًا: هل أثيوبيا هي مركز الأزمة في القرن الأفريقي ودول حوض النيل؟!
تشابك الخطوط بين استراتيجيات الدول في القرن الأفريقي:

في سعي إثيوبيا الحثيث لإيجاد منفذٍ بحري والتخلص من عقدة النقص المتمثلة في استئجار الموانئ لدول الجوار مثل جيبوتي، استغلت الوضع الداخلي المتأزم بين جنوب الصومال والحكومة الصومالية الممتد منذ عشرات السنوات، وبادرت إثيوبيا بعقد تفاهمات بينها وبين إقليم أرض الصومال باستئجار منفذ بحري منها يطل على خليج عدن، مقابل الاعتراف السيادي بأرض الصومال من قبل إثيوبيا؛ مما جعل الحكومة الصومالية في مقديشو تبحث عن حلفاء إقليميين ودوليين لحماية سيادتها ومواجهة قوى التدخل للدول ذات المصالح مثل إثيوبيا والكيان الإسرائيلي، ومن هنا بدأت رقعة الصراع الجيوسياسي العسكري تتسع عند دخول مصر بتعاونٍ ثنائي مع حكومة مقديشو، وباتت الصومال ككل مكانًا خصب لتصفية الحسابات الممتدة بين مصر وإثيوبيا والتي تشمل قضية سد النهضة ومياه النيل.
وعلى إثر ذلك بدأت كلٌ من أثيوبيا ومصر بالتسابق الجيواستراتيجي لتحالفات محتدمة مع دول القرن الإفريقي ودول حوض النيل كلٌ من جانبه من أجل تقويض الآخر وإضعافه.
وامتدت التحالفات على المستوى الدولي حتى خارج جغرافية أفريقيا، وباتت الاتجاهات السياسية لدى دول جنوب شرق أفريقيا قابلة للتأثير والتأثر باتجاهات سياسات دول العالم وخصوصًا حلفاء الشرق وحلفاء الغرب.
سياسات البحر الأحمر وحوض النيل:

في حين تعذر التفاهم بين مصر وأثيوبيا بخصوص سد النهضة، بدأت مصر ببذل جهود دبلوماسية حثيثة تحت ما أسمته الرؤية المصرية القائمة على المرتكزات الثلاثة ” الأمن والاستقرار والتنمية”(۱) فقد أنشأت آلية التعاون الثلاثي بينها وبين الصومال وإريتريا بشأن أوضاع السودان والبحر الأحمر، ومجالات استعادة التوافق والحوار بين دول حوض النيل، مع اجتماعات عديدة للتعاون والتنسيق للمجلس الوزاري لمبادرة حوض النيل، حيث كان آخرها الاجتماع الثالث والثلاثين الذي عقد في بوروندي في السادس من ديسمبر 2025.
وقد تجلى توجه مصر عبر رؤيتها الثلاثية من خلال خطابها الرسمي الذي يدعو للمبادرات لتسوية النزاعات، إلى جانب الحراك السياسي والدبلوماسي، حيث قامت مصر ممثلةً برئيسها السيسي بزيارات مختلفة لدول حوض النيل والقرن الأفريقي لتوطيد العلاقات وكسب التحالفات، وزيارات دبلوماسية من قبل رؤساء دول أفريقية للقاهرة في فترات مختلفة مثل زيارات الرئيس الصومالي، وزيارة الرئيس الجيبوتي وزيارات الرئيس الأريتيري.
وقد انعكس عن ذلك توافقات استراتيجية واضحة بين مصر ودول مثل الصومال وإريتريا وجيبوتي لتعزيز الاستقرار في الصومال وفي البحر الأحمر.
وفي المقابل، شهدت أطر التحالفات مساعٍ إثيوبية إلى توطيد علاقاتها مع عدة دول مثل كينيا وأوغندا والكونغو وجنوب السودان، وذلك تجلى في العديد من المجالات أبرزها مجال الكهرباء والطاقة، والتعاون العسكري، وفي التصنيع ومجال السياحة، ومجال الإعلام والتعليم، والتبادل الاقتصادي، وتطوير الخطوط الجوية وتوسيع خدمات الطيران.
وبالنظر إلى هذا التسابق الجيواسترتيجي بين مصر وإثيوبيا في المنطقة، فإنه يشير إلى أن العلاقات بين الدول لاتسعى إلى التعاون الجماعي بل للتعاون الثنائي فقط، بحيث تتشكل تحالفات ثنائية القطب بما يخص سياسات البحر الأحمر ودول حوض النيل.
هل عام 2026 ينبئ بالحرب ؟

بالنظر إلى التدخلات الخارجية في الشأن الصومالي ينبئ أن مستوى خلافات الأطراف الفاعلة زادت حدتها، بازدياد الخلافات بين مقديشو المركز وبعض الأقاليم، والتي برزت بوضوح بعد طرح مسألة استكمال الدستور الفيدرالي الصومالي واقتراح بعض التعديلات.
حيث وصل التوتر أوَجَهُ عند نزول القوات المصرية إلى مقديشو، حيث أبدى بعض قادة الأقاليم عدم الارتياح لتواجد القوات المصرية، بل إنّ رئيس الإقليم الجنوبي الغربي أفصح عن رفضه العلني لتواجد القوات المصرية مع تأييده لبقاء القوات الإثيوبية.
وقد سعت تركيا سابقًا بإنهاء الخلاف الصومالي الإثيوبي، حيث عبّرت الأطراف عن تفاؤلات التقدم نحو سد الخلافات، ولكن دخول مصر العسكري جعل المنطقة في حالة توتر وتحشيد غير مسبوق.
وبين تعنّت أبي أحمد لدرجة المجازفة من أجل الوصول إلى أهدافه، ودخول مصر عسكرياً إلى الصومال، وتمركزها على تخوم إثيوبيا، تتنبأ دراسات استشرافية أن توقعات المواجهات في المنطقة واردة الاحتمال والتي وصفها البعض بـ”الحرب التي لايتحدث عنها أحد”.
وكما يؤكد الوضع الجاري في منطقة حوض النيل إلى عدم تحقيق التعاون الجماعي، وهناك تشابك عميق بين المجالات الإستراتيجية الحيوية والمصالح العليا للعديد من الدول والقوى الإقليمية والدولية المتنافسة، ناهيك عمّا تعيشه العديد من دول المنطقة من صراعات شديدة سواءً بين دولةٍ وأخرى أو داخل الدولة الواحدة، والذي يتمثل في الصراعات الإثنية، أو الصراعات على الموارد، أو تدخل أطراف خارجية.
وهناك نمط تصاعدي وتنافسي يفرض نفسه على العديد من الملفات والذي يجعل احتمالية معالجتها صفرًا، ويحُدُّ من إمكانية التسوية بين الأطراف، وحتى وإن تم التوصل إلى تسوية وهدنة، فإنها بلا شك ستنهار مجددًا.


