تحرير: وحدة رصد منتدى رؤية القرن"HAPC:
تاريخ: 22/3/2026
في ظل التصعيد الإقليمي الراهن المتمثل بالحرب المشتعلة بين إيران والولايات المتحدة الأمريكية مع إسرائيل، باتت خطوط النقل الدولي البحري مستهدفة بالمقام الأول من قبل الأطراف المتحاربة، معرقِلةً خطوط إمداد الطاقة المعتمِدة على موانئ الخليج العربي ومضيق هرمز الذي تم إغلاقه تمامًا من قبل إيران.
وبالتالي، سارعت المملكة العربية السعودية لتحويل أنابيب النفط ومشتقاته من موانئها الشرقية إلى ميناء ينبع الواقعة على ساحل البحر الأحمر كبديل طارئ لتصدير الطاقة، وبهذه الخطة التي بادرت إليها السعودية كحل ناجع لاستمرار تصدير الطاقة، بدأت القوى الأوروبية والولايات المتحدة بالتطلع إلى تبني مشروع نقل الطاقة عبر إسرائيل، بحسب ما كشفت عنه وسائل إعلام إسرائيلية.
كمية الطاقة المصدرة من دول الخليج:
إن مقدار النفط والغاز الذي يتم تصديره من دول الخليج يغطيان نسبة كبيرة من احتياجات العالم، حيث يقدر احتياطي دول الخليج بنسبة 32.6% من إجمالي الاحتياطي العالمي للنفط الخام، بما يعادل 511.9 مليار برميل، بالإضافة إلى نسبة 21.4% من إجمالي الاحتياط العالمي للغاز الطبيعي، ما يبلغ أكثر من 44.195 تريليون متر مكعب.

ويصل إجمالي الإنتاج اليومي إلى نسبة 23.2% من الإنتاج العالمي للنفط الخام، بعدد 17 مليون برميل يومياً، وبنسبة 10.8% من الإنتاج العالمي للغاز الطبيعي المسوق، بكمية 464.2 مليار متر مكعب
وبهذه النسب والأعداد الهائلة تتجلى أهمية دول الخليج في سوق الطاقة العالمية، وبالتالي فإن توقف إنتاج الطاقة في غضون الحرب الراهنة فإن العالم سيدخل في أزمة ضاربة في العمق للأسواق العالمية، وستحدث موجة شلل وتعطل لحركة التجارة العالمية، إذ أن أزمة الطاقة ستمتد إلى مجمل السلع والخدمات لإحداث الإرباك بارتفاع القيم الضريبية لها مع ظهور طفرات من التضخم.
هل ميناء “ينبع” قادرة على تغطية الاحتياج العالمي للطاقة؟
بحسب شركة “كابلر” المختصة في رصد شحنات الطاقة، أن ميناء “ينبع” تشهد قفزة هائلة في عمليات التحميل والشحن خلال الأسابيع الماضية، حيث تضاعف الشحن للطاقة من 16 مليون برميل في أول مارس إلى 18 مليون برميل في الأسبوع الماضي، وذلك بمقدار ثلاثة أضعاف بالمقارنة لشهر فبراير الماضي، ومن المتوقع وصول كمية الشحن عبر ميناء ينبع إلى 88.5 مليون برميل في بداية شهر أبريل القادم، مع تزامن إعلان شركة “أرامكو” السعودية لعملائها الأسيويين بتقييم قدرتهم على استيراد شحناتهم عبر ميناء ينبع بدلًا من موانئ الخليج العربي.

ميناء ينبع السعودية
وهذا التحول يعكس مدى الضغوط التي يفرضها الاضطراب الجيوستراتيجي على طرق التجارة العالمية، والذي زاد من أهمية البحر الأحمر في الملاحة الدولية بتحوله من مجرد طريق تجاري دولي إلى مركز إمداد الطاقة العالمية،
وبالنسبة إلى ميناء “ينبع” كخيار دائم لتصدير الطاقة غير وارد، لأن ميناء “ينبع” لن تكون بديلًا كافيًا لكل الموانئ الواسعة والمهيأة على بحر الخليج العربي، بالإضافة إلى زيادة تكلفة النقل البري من مسافة عبر الأنابيب بالنسبة.
تكهنات عن عزم الاتحاد الأوربي وأمريكا بتغيير خط الطاقة الدولي:
إنّ النظر إلى تحويل السعودية لتصدير الطاقة إلى ميناء ينبع بدلاً عن موانئها الشرقية ليست المشكلة بحد ذاتها لتنعكس سلبُا على طرق الملاحة التقليدية في البحر الأحمر، بل ينطر لها مراقبون بمثابة خطوة جبارة، ودليل على قوة المملكة العربية السعودية بامتلاكها الحلول الإستراتيجية في التغلب على المشكلات الطارئة وقدرتها على إيجاد البدائل بأقصر وقتٍ ممكن.

ولكن يرى محللون، أنّ المشكلة والخطر الحقيقي على ملاحة البحر الأحمر -بامتداد موانئه وممرّاته كباب المندب وقناة السويس- تكمن في تداول وسائل إعلام رسمية في إسرائيل عن توجهات أوروبية وأمريكية مع إسرائيل باعتماد مشروع نقل الطاقة البحري البري، والمتمثل بشحن الطاقة عبر السفن من ميناء “ينبع” إلى ميناء إيلات، ثم نقله عن طريق البر عبر أنبوب من إيلات إلى ميناء عسقلان المطلة على البحر المتوسط، ومنه يتم شحن سفن أخرى في البحر المتوسط لإيصاله إلى أوروبا وأمريكا.
حيث أعلنت منصة إخبارية إسرائيلية تدعى “يوم ها يوم” قبل أيام، عن عودة مشروع قديم إلى واجهة النقاش في ظل التوترات المرتبطة بمضيق هرمز، يقوم على تحويل إسرائيل إلى ممر بري لنقل النفط بين الخليج وأوروبا، مستندًا إلى بنية تحتية قائمة جزئيًا بالفعل،
وتقول المنصة بأن فرصة تحقيق هذا المشروع مواتية من حيث الواقع الجغرافي والبيئي، ولكنه شبه مستحيل من ناحية خلق التوترات الإقليمية والدولية من حيث تضارب المصالح، وهناك مشكلة أمنية أيضاً تعيق من تبني هذا المشروع، بالإضافة إلى الاتجاهات السياسية بين السعودية وإسرائيل غير المتقاربة.
خاتمة تحليلية:
في حال اعتمدت دول العالم الغربي فعلاً على مشروع إمداد الطاقة عبر الممر البري من البحر الأحمر إلى البحر المتوسط، ووافقت المملكة العربية السعودية على تنفيذه، فإن ذلك سيؤثر بالمقام الأول سلبًا على ممر قناة السويس وخط “سوميد” في جمهورية مصر العربية، حيث أن خط “سوميد” الممتد من خليج السويس إلى البحر المتوسط يقوم بالفعل بنقل الطاقة، وباعتماد الممر الجديد سيتم تحييده، وهنا لن تقف مصر صامتةً مكتوفة اليدين.
بالإضافة إلى باب المندب الذي أصبح منعزلاً ومحيَّدًا منذ الوهلة الأولى لتحويل المملكة العربية السعودية تصديرها للطاقة من الموانئ الشرقية إلى ميناء ينبع، وباتت أهميته كممر ملاحي استراتيجي مقتصرة فقط على دول شرق آسيا، ولن يؤثر سلباً أو إيجاباً على إمداد الطاقة إلى أوروبا وأمريكا.
وتبعًا لذلك، فإن موانئ القرن الأفريقي ستصبح بمعزل نسبيًا عن خطوط إمداد الطاقة الجديدة، وينخفض استقبالها للسفن باعتبارها محطات لأغراض الشحن والتخزين والراحة وعمليات تغيير زيوت السفن، بل إنها على المدى البعيد ستصبح بمنأى عن طرق الشحن التجاري والملاحة البحرية ككل، نظرًا لتأثر التجارة العالمية بخطوط إمدادات الطاقة سلبًا وإيجابًا.
ومن هنا، ستبدأ الملاحة في البحر الأحمر بخلط الأوراق، وخلق تحالفات جديدة بين دول الإقليم بالنظر إلى تبدل المصالح تبًعا لسياسات البحر الأحمر، بعبارة أخرى، إننا قادمون على مرحلة تشكلات جديدة من التحالفات بين دول الشرق الأوسط والقرن الأفريقي، وهذه التحالفات قائمة على البراجماتية، ونابعة في الأساس من التغيرات الجيوستراتيجية لدول البحر الأحمر وطرق التجارة البحرية، وقد تتطور من مجرد تحالفات سياسية إلى صراع مخيف.
Share via:


