تقرير:منتدى رؤية القرن'HAPC'
في خطوة تعكس حساسية المشهد السياسي والعرقي في إثيوبيا، أصدر “المجلس الوطني للانتخابات” قراراً حاسماً لتنظيم العملية الانتخابية في المناطق التي تشهد نزاعاً تاريخياً بين إقليمي أمهرة وتيغراي. يأتي هذا الإجراء تزامناً مع التحضيرات للانتخابات العامة السابعة (المقررة في عام 2026)، ليرسم ملامح مرحلة سياسية دقيقة تسعى لتجنب تفجير صراعات جديدة وتأجيل القضايا الخلافية الشائكة.
تفاصيل القرار الانتخابي (بناءً على الوثيقة الرسمية): استناداً إلى رسالة وتوجيهات “مجلس الفيدرالية” الإثيوبي (الجهة الدستورية العليا)، أقر المجلس الوطني للانتخابات آلية استثنائية للتعامل مع خمس دوائر انتخابية رئيسية لا تزال هويتها وتبعيّتها الإدارية محل أزمة سياسية عميقة. وتتمثل تفاصيل القرار في النقاط التالية:
- المناطق المشمولة بالقرار: حومرا (Humera)، ولكايت طقدي (Welkait Tegede)، كوريم ألاماتا (Korem Alamata)، طلمت (Tselemti)، ورايا أزبو (Raya Azebo).
- الانتخابات الفيدرالية: سيقوم سكان هذه المناطق بالتصويت بشكل مباشر لاختيار ممثليهم في “مجلس نواب الشعب” (البرلمان الاتحادي الإثيوبي)، على أن تُدار العملية الانتخابية هناك بشكل منفصل وخارج نطاق الإدارة الإقليمية لولاية تيغراي.
- تأجيل الانتخابات الإقليمية: تقرر رسمياً إرجاء انتخابات “المجالس الإقليمية” (المحلية) في هذه الدوائر الخمس حتى إشعار آخر، في انتظار البت النهائي في مسألة هويتها والجهة التي يحق لها إدارتها وفقاً للإجراءات الدستورية.
جذور الخلاف بين إقليمي أمهرة وتيغراي: لفهم أبعاد هذا القرار الانتخابي، يجب العودة إلى الجذور التاريخية والسياسية للنزاع حول هذه الأراضي الجيواستراتيجية (التي تقع غالبيتها في غرب وجنوب إقليم تيغراي الحالي):
- إعادة رسم الحدود (1991): يطالب سكان إقليم أمهرة بهذه المناطق باعتبارها أراضي أجدادهم التاريخية. تفجر الخلاف فعلياً في عام 1991 عندما وصلت “الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي” إلى سدة الحكم في البلاد، وقامت بإعادة تخطيط الحدود الإدارية الداخلية لإثيوبيا بناءً على أسس عرقية ولغوية، مما أدى إلى ضم مناطق ولكايت وحومرا ورايا لتكون تحت إدارة إقليم تيغراي.
- صراع الهوية: منذ ذلك الحين، لم تتوقف الحركات السياسية والمجتمعية في أمهرة عن المطالبة باستعادة تلك الأراضي، معتبرة أن ضمها لتيغراي كان تهميشاً ديموغرافياً، في حين يتمسك إقليم تيغراي بأحقيته فيها بناءً على شرعية الدستور الفيدرالي.
تداعيات حرب تيغراي الأخيرة (2020 – 2022): انتقل النزاع من أروقة السياسة إلى ساحات المعارك مع اندلاع الحرب الأهلية الطاحنة في شمال إثيوبيا في نوفمبر 2020.
- تغيير الواقع الميداني: خلال هذه الحرب، تحالفت القوات الخاصة التابعة لإقليم أمهرة والميليشيات المحلية (مثل فانو) مع الجيش الفيدرالي ضد قوات تيغراي، وتمكنت القوات الأمهرية من فرض سيطرتها الفعلية والعسكرية على تلك المناطق المتنازع عليها.
- سلام دون حسم إداري: رغم توقيع “اتفاق بريتوريا” للسلام في أواخر عام 2022 والذي أنهى القتال، بقي وضع هذه المناطق معلقاً، حيث تطالب تيغراي بانسحاب القوات الأمهرية وإعادة النازحين كشرط لتنفيذ الاتفاق، بينما ترفض أمهرة التنازل عن الأراضي التي تعتبرها محررة.
الخلاصة: يُعد قرار المجلس الوطني للانتخابات بتأجيل التصويت المحلي بمثابة حل وسطي (Status Quo)؛ فهو يضمن التمثيل الفيدرالي لسكان تلك المناطق في البرلمان الوطني، ولكنه ينأى بنفسه عن حسم التبعية الإقليمية للأرض لتلافي إشعال فتيل الأزمة مجدداً بين أمهرة وتيغراي، تاركاً العبء الأكبر لـ “مجلس الفيدرالية” لإيجاد تسوية دستورية مستقبلية توافقية.


