تحليل: فريق منتدى رؤية القرن "HAPC"
منذ عشر سنوات، تمر اليمن بمرحلة حرجة ومعقدة من الصراع، وتتشابك الخطوط السياسية والعسكرية فيها تبعًا لمنهجية التأثير والتأثر لتقلبات السياسات الإقليمية، والتوجهات الجيواستراتيجية الدولية، بل أنتجت الحرب -وماتزال- أبعادًا ومسارات جديدة، حيث خلقت على الساحة اليمنية تكتلات سياسية وعسكرية، وحركات وفصائل زادت المشهد تعقيدًا، ناهيك عن السعي الحثيث من قِبَل كل طرف في الحرب لفرض نفوذه على قطاعات الموارد والمراكز الاستراتيجية، والمناطق الجغرافية الحساسة على حساب الأطراف الأخرى لمزيد من اكتساب القوة وحيازة مركز الثقل، مما يزيد منطق الواقع السياسي حدةً وتأجيجًا للصراع، ويعطي مؤشرًا أبعد عمقًا لتفاقم الأزمة وتداعيات الاستمرار في الحرب بين أكثر من فصيل، وهذا الواقع بالتأكيد يعطي التوقع صفرًا بالنظر لمآلات السلام.
نبذة عن الحرب اليمنية:
الوصف الدولي لهذه الحرب بأنها حرب أهلية ابتدأت أواخر 2014 بسيطرة الحوثيين على العاصمة صنعاء وانقلابهم على السلطة، ولكنها بواقع الحال كانت حربًا بين السلطة الانتقالية برئاسة عبدربه منصور هادي من جانب، وحركة الحوثي والقوى العسكرية التابعة للرئيس السابق علي صالح من جانب آخر، بالإضافة إلى تدخل التحالف الدولي بقيادة دول الخليج في مارس/أذار 2015، مما جعل الحرب أكثر قربًا لوصفها بالحرب العسكرية أكثر منها حربًا أهلية.
وقد امتد هذا الصراع العسكري طويلًا بين طرف شرعية هادي التي اتخذت محافظة “عدن” عاصمة مؤقتة بدعم التحالف العربي، وبين حركة الحوثيين وقوات صالح كطرف آخر، على اعتبار أن الحوثيين وصالح انقلبوا على الحكومة الشرعية في العاصمة صنعاء واستولوا عليها.
وحتى عام 2017، نشبت الحرب في صنعاء نتيجة الخلاف بين علي صالح وأتباعه وحركة الحوثيين، واستمرت الحرب لأيام، وانتهت بمقتل الرئيس السابق علي صالح ورحيل أتباعه وقياداته من صنعاء، منضمين إلى قوى الشرعية التي تسيطر على الجنوب اليمني وبعض محافظات الشمال، ومن ثم عادت الحرب إلى مجراها السابق بين الشرعية والحوثيين.
كذلك في نفس العام، مايو/أيار 2017، تزامن مع حرب صنعاء الانقسام بين قوى الشرعية في عدن، بظهور فصيل جديد أعلن عن نفسه تحت مسمى الانتقالي الجنوبي في عدن، والذي مثّل استمرارًا للحراك الجنوبي منذ 2007، مطالبًا بانفصال الجنوب اليمني وغير معترف ضمنيًا بشرعية حكومة هادي.
واستمرت التداعيات السياسية والعسكرية في اليمن تتشكل كل فترة بطابع جديد وتحت مسميات عديدة، حيث أصبح الأطراف في الحرب ثلاثة،بل أكثر، تمثل الطرف الأول بالشرعية اليمنية تحت قيادة عبدربه منصور ثم بقيادة رشاد العليمي، والتي تتمركز في محافظات مأرب وتعز وحضرموت والمهرة وبعض مناطق الجنوب، والطرف الثاني حركة الحوثيين المسلحة المسيطرة على صنعاء وأغلب محافظات الشمال، والطرف الثالث المجلس الانتقالي الجنوبي والذي سيطر فعليًا على عدن ولحج وأبين وسقطرى وبعض المناطق الجنوبية، وهناك فصيل يكاد أن يوصف بالطرف الرابع وهي القوات التي تشكلت تحت قيادة طارق صالح ابن أخ الرئيس السابق علي عبدالله صالح.
التحالفات الدولية لأطراف الحرب اليمنية:
استمرت المملكة العربية السعودية حليفًا داعمًا للشرعية اليمنية شكليًا منذ بداية الحرب، وتحاول عبر المسار السياسي أن توفق بينها وبين الانتقالي الجنوبي، وبسبب التغيرات في مجريات الحرب وفي توجهات السياسة الدولية، بادرت السعودية مع الشرعية في إبرام اتفاق هدنة طويلة بينها وبين الحوثيين في مطلع أبريل/نيسان 2022م
وأما حركة الحوثيين منذ بداية تحركها من محافظة صعدة وسيطرتها على صنعاء، هناك مؤشرات واضحة تدل على تحالف الحركة مع إيران في جانبي الدعم اللوجستي العسكري والتأييد السياسي.
ومنذ تشكيل المجلس الانتقالي الجنوبي فإنه يحظى بالدعم من قبل دولة الإمارات العربية المتحدة، وإن بدا ذلك الدعم بطابع غير رسمي، بالإضافة إلى أنه يتماشى مع حضور المملكة العربية السعودية، ويستجيب إلى قرارتها من وقت إلى آخر.
تطورات الأزمة اليمنية:
منذ أواخر 2017 بدأت الخارطة اليمن السياسية والعسكرية تتشكل من جديد، حيث ظهرت حركة المجلس الانتقالي الجنوبي مسيطرةً بقوة على عدن وأبين وسقطرى على حساب جغرافية امتداد الشرعية، ومن جانب آخر تشكلت قوات جديدة على خط ساحل البحر الأحمر بقيادة طارق صالح الذي انضم بالبداية تحت كنف الشرعية بعد مقتل عمه علي صالح في صنعاء، ولكنه بدا مؤخرًا كيانًا شبه مستقل عن الشرعية بتحركاته وأهدافه العسكرية والسياسية، حيث سيطر بشكل سريع على مدينة المخاء وعلى أجزاء ساحلية واسعة من تعز والحديدة.
ومن جانب آخر، اتفاق الهدنة المبرم بين المملكة العربية السعودية وحركة الحوثيين أعطى سياقًا آخر للتوجهات العسكرية لجميع الأطراف اليمنية، وبدأ ترتيب الأولويات يتشكل خصوصًا لكلا الطرفين الرئيسيين في الحرب “طرف الشرعية وطرف الحوثي”
حيث انشغلت الشرعية بصراع جديد مع حركة المجلس الانتقالي الذي يدعو إلى انفصال الجنوب اليمني من وقت إلى آخر مع مزامنة التوسع العسكري في مناطق الشرعية والسيطرة عليها، حيث كان آخر توسع له في آواخر عام 2025 في حضرموت والمهرة، وعلى إثره نشبت الحرب والمواجهة بين قوات الشرعية وقوات الانتقالي الجنوبي، وتمدد الخلاف والتوتر ،هذه المرة، بين الحليفين المملكة العربية السعودية الداعمة لحكومة الشرعية، وبين دولة الإمارات العربية المتحدة باتهام السعودية لها بدعم قوات الانتقالي الجنوبي لتهدد أمنها القومي على حدودها.
انعكاسات الحرب اليمنية على أمن البحر الأحمر:
في الوقت الذي يعتبر أهم ممرات الملاحة للتجارة العالمية بين الشرق والغرب، يتميز البحر الأحمر أيضًا بأهمية عسكرية وأمنية؛ إذ يعتبر ممرًا إستراتيجيًّا لحركة الأساطيل الحربية فيما بين: البحر المتوسط، والمحيط الهندي، وإفريقيا، وصولًا إلى الصين، واليابان، والمحيط الهادي. وبالنظر إلى هذه الأهمية المركبة فقد أصبح البحر الأحمر محل صراع إقليمي ودولي؛ إذ تحرص القوى الدولية على امتلاك موضع قدم واتخاذ مناطق نفوذ عسكرية وسياسية فيه، وأضحى البحر الأحمر مركزًا للقواعد العسكرية الأجنبية وموضع احتشاد عسكري دولي.
ولذلك، بعد اتفاقية الهدنة بينها وبين السعودية وحكومة الشرعية، اتجهت حركة الحوثيين نحو أهداف إقليمية خارجية، حيث كانت الحرب على غزة منذ 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، سببًا لرفع التصعيد الحوثي العسكري على المستوى الإقليمي والدولي، والذي نتج أثره الواضح في خلط الأوراق الإقليمية والدولية فيما يخص سياسات البحر الأحمر، إذ أصبح الحوثي بنظر القوى الدولية الكبرى محل تهديد رئيسي لأمن البحر الأحمر الذي يتمتع بأهمية جيواستراتيجية لهذه القوى، حيث فرض الحوثي حصارًا خانقًا على مرور سفن التجارة في باب المندب وعلى طول الامتداد الساحلي، واستهدف في البداية السفن التابعة لشركات إسرائيلية بالصواريخ والطائرات المسيرة مناصَرةً لأهل غزة بحسب تصريحاته، مما جعل أمريكا وإسرائيل وبعض الدول الأوروبية تحشِّد أساطيلها العسكرية في البحر الأحمر، بذريعة استهداف قدرات الحوثي العسكرية والاستراتيجية في صنعاء وعدد من المحافظات اليمنية من خلال القصف الصاروخي والطيران الحربي، وبالتالي، رفعت حركة الحوثي من سقف التصعيد، بإعلانها عن إمكانية استهداف أي سفن تجارية أو عسكرية متواجدة أو تمر خلال البحر الأحمر.

واستمر الحوثيون بالهجمات العسكرية عبر الصواريخ الباليستية والطيران المسير قبالة السواحل اليمنية في البحر الأحمر وباب المندب، وباتت بمثابة مهددًا رئيسيًا بنظر دول العالم المتقدم؛ بالإضافة إلى تأثُّر جميع الموانئ والممرات المائية على سواحل البحر الأحمر وباب المندب وخليج عدن بانخفاض وتعطل عمل الشحن والتفريغ التجاري، ابتداءً بموانئ القرن الأفريقي، مرورًا بموانئ ومراسي الخليج وجنوب الشام، وانتهاءً بقناة السويس المصرية؛ وقد تمثل استهداف السفن في مضيق باب المندب والبحر الأحمر على الآتي:
هاجم الحوثيون، في 19 نوفمبر/تشرين الثاني 2023، سفنًا عديدة بالقرب من باب المندب، وصادروا سفينة “جالاكسي ليدر Galaxy Leader “، مؤكدين أن ملكيتها تعود لرجل أعمال إسرائيلي، بينما السفينة مع طاقمها ماتزال إلى اليوم محتجزة في اليمن.
وفي 25 نوفمبر/تشرين الثاني 2023، أصابت مسيرة درون يمنية سفينة ” كلاندار” المملوكة لشركة “زيم” الإسرائيلية، وفي غضون ديسمبر/كانون الأول 2023، قام الحوثيون باستخدام مسيرة مسلحة وصاروخ بحري للهجوم على سفينتين إسرائيليتين تُدعى إحداهما “غبرناين” والأخرى “ويونيتي إكسبلورر” لمنعهما من المرور عبر مضيق باب المندب لمد احتياجات النفط إلى الولايات المتحدة.
وفي آخر تصعيد لها آنذاك، أعلنت جماعة الحوثي في 9 ديسمبر/كانون الأول 2023 توسيع نطاق العمليات العسكرية بمنع مرور كافة السفن المتجهة إلى إسرائيل، أياً كانت جنسيتها، في حال عدم إدخال الغذاء والدواء إلى قطاع غزة.
الأزمة الإنسانية داخل أوساط المجتمع اليمني إثر الحرب:
كان للتصعيد الحوثي الدولي انعكاساته في تفاقم الأزمة الاقتصادية الحاصلة بين أوساط المجتمع اليمني منذ بداية الحرب في عام 2015، وتأزمت الحياة المعيشية أكثر خاصةً عندما تعمد الكيان الإسرائيلي والولايات المتحدة الأمريكية قصف ميناء الحديدة عدة مرات بغارات الطيران الحربي، مما جعل الميناء متوقفة تماماً عن العمل، بحيث كانت هي الشريان البحري الوحيد لليمنيين في الشمال.

وبحسب الأمم المتحدة، فقد خلفت الحرب منذ بدايتها، أكثر من 18671 قتيلًا، وقرابة 32903 جريحُا، بينما يصل عدد النزوح والهجرة بسبب الحرب إلى أكثر من 4 ملايين شخص.
وتشير تقارير الأمم المتحدة حول الأزمة في اليمن إلى أن الوضع الإنساني في البلاد يزداد سوءًا، حيث يدخل أكثر من 18.2 مليون شخص في خط الفقر، وانعدام الأمن الغذائي، ويحتاج 9.8 مليون طفل إلى مساعدات إنسانية.
كما تشير التقارير إلى أبرز التحديات التي تتمثل في انعدام الأمن الغذائي، بالإضافة إلى أن العنف القائم أدى إلى التشظي الاجتماعي؛ وكذلك استمرار الهجمات على المدنيين والبنية التحتية من خلال الصراع المسلح.
وبحسب تقرير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP) أنّ الانهيار الاقتصادي الذي خلفته الحرب وأشكال النزاع منذ البداية وحتى اليوم أدى إلى تراجع التنمية لأكثر من عقدين، وكان أبرزه تدهور قيمة العملة المحلية وارتفاع التضخم.
مآلات الأزمة اليمنية المتوقعة:
هناك عدة سناريوهات محتملة لما تؤول إليه الأزمة اليمنية، ففي وجود التعقيدات المتشابكة، والأبعاد الاستراتيجية التي تحيط بالأزمة اليمنية، ومع تأثر العوامل الداخلية بالعوامل الخارجية، تتجلى ملامح الحل أو استمرار الأزمة بأوجه وطرق شتى.
فهناك سيناريو يشير إلى التسوية السياسية بين جميع الأطراف اليمنية، بالرغم من وجود العقبات الكبيرة المتمثلة في تضارب المصالح بين الأطراف المتحاربة، وتنوع التبعية الخارجية لها، وإذا كانت هناك موشرات إيجابية للتقارب، إلا أن إيجاد التسوية الشاملة تحتاج إلى توافقٍ دولي.
وهناك سيناريو يحتمل التقسيم، إذ يرى محللون أنه الأكثر احتمالية على المدى الزمني المتوسط، في حال استمرار الفشل لإيجاد تسوية سياسية شاملة، وذلك بتقسيم اليمن إلى إقليم الشمال يكون من نصيب الحوثيين، وإقليم الجنوب تحت الحكومة الشرعية والمجلس الانتقالي الجنوبي، وذلك من المؤكد سيخلق نزاعات جديدة بين الفصائل المختلفة في كل إقليم.
بالإضافة إلى سيناريو الاستمرار في الصراع المسلح، حيث يُعد الأكثر واقعية على المدى القريب؛ فالواقع الحالي يشير إلى استمرار الصراع دون تغلب أي طرف بشكل حاسم؛ فجميع الأطراف المتصارعة تبقى عالقة في دوامة الصراع المسلح في ظل التأزم السياسي في إيجاد الحلول السلمية، وهذا يزيد من تفاقم المعاناة الإنسانية واستمرار التدخلات الخارجية من وقت إلى آخر بشكل رسمي وغير رسمي.
ويبقى احتمال سيناريو التدخل الدولي، ويتوقف على إرادة المجتمع الدولي لاتخاذ خطوة نحو حل الأزمة، ولكنه سيواجه تحديات كبيرة تتمثل في تردد القوى الدولية الرئيسية، وتضارب المصالح الإقليمية، والذي يشير إلى أن التدخل الموسع غير مرجَّح به. كما أن ديموغرافية السكان اليمني غير مشجع للتدخل الدولي، مما يجعل ذلك صعب الحدوث.


