كاتب/عمر حمود العامري - لمنتدى رؤية القرن"HAPC":
تستمر التصعيدات بين أثيوبيا وأرتيريا من وقت إلى آخر، وقد جاءت آخر التراشقات الكلامية بينهما منذ الأسابيع الماضية حادة، وهناك تبادل الاتهامات فيما بين السلطات الأريتيرية والأثيوبية؛ وذلك نتاج الخلافات على الحدود، مدعيةً إريتريا أن لأثيوبيا طموح متزايد لإيجاد منفذ بحري على البحر الأحمر، وعلى نفس السياق ردت أثيوبيا أن ترسيم الحدود الذي جاء عن اتفاقية الجزائر عام 2000 كان مجحفًا، حيث أن ميناء عصب هي تابعة لها بالأساس، ما جعل أرتيريا تتخذ من ذلك الرد ذريعةً للتحشيد العسكري على الحدود الإثيوبية، مستمرةً بالتصعيد عبر منطقها السياسي تجاه إثيوبيا، ومعتبرةً ماقاله آبي أحمد كرد على تصعيدها الساسي والعسكري تهديدًا لسيادتها.
الأبعاد التاريخية بين إثيوبيا وأرتيريا:
منذ قيام ما تسمى بحركة الاستقلال بقيادة جبهة التحرير الأريتري (ELF) عام 1961 والتي اتخذت على جبل أدال نقطة البداية، ضمت إثيوبيا إريتريا إليها في العام التالي، واستمر الحراك الإريتري حتى 1974م عند قيام ما تسمى الثورة الإثيوبية، حيث ألغى الدرج الإمبراطورية الإثيوبية، وأسس دولةً شيوعية ماركسية لينينية بدعم الاتحاد السوفيتي آنذاك، وكان من أحد صور الدعم قتال الأريتريين، وبالمقابل حصلت جبهة التحرير الأريترية على الدعم من قِبل دول مختلفة دبلوماسياً وعسكريًا أبرزها جمهورية الصين الشعبية، ومنه حدثت تحولات سياسية من قبل الأطراف الداعمة لصالح أثيوبيا، وطُردَت جبهة التحرير من أريتريا؛ ثم استغلت جبهة التحرير حرب الاستنزاف ضد أثيوبيا، وتزامن فقدُ الحكومة الإثيوبية الدعم بانهيار الاتحاد السوفيتي في نهاية الثمانينيات من القرن العشرين، مما سمح للجبهة الشعبية بهزيمة القوات الإثيوبية في أريتريا في مايو/أيار 1991م وبمساعدة الجبهة التحريرية الأرتيرية سيطرت الجماعات المؤسسِّة لجمهورية إثيوبيا الشعبية الديمقراطية على العاصمة أديس أبابا في أبريل/نيسان 1993م وأتاح النظام الجديد في أثيوبيا للشعب الأريتري بتقرير مصيره عبر الاستفتاء الذي أجمع عليه الأرتيريون تقريبًا لصالح الاستقلال عن أثيوبيا، وتزامن الاعتراف الدولي الرسمي باستقلال أريتريا بالسيادة الكاملة في نفس العام.(1)

وهكذا أصبحت أثيوبيا دولة حبيسة لاتتمتع بأي منفذ بحري منذ استقلال أرتيريا عنها.
محطات الصراع بين أرتيريا وإثيوبيا
في نهاية القرن العشرين 1998 نشبت حرب حدودية بين أرتيريا وأثيوبيا لمدة عامين، حيث تدخلت دولة الجزائر بالصلح بينهما باتفاق عام 2000م كان أبرزه ترسيم الحدود بين الدولتين، والذي أنهى النزاع العسكري الذي امتد لمدة عامين، وقامت بالفعل لجنة ترسيم الحدود في نفس العام كتجسيد للاتفاقية الجزائرية(2)
وظلت التوترات قائمة بين الحكومة الأرتيرية ودولة أثيوبيا، حيث تمثلت هذه التوترات في الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي بقيادة الجبهة الديمقراطية الثورية للشعب الأثيوبي، وظهرت على الحدود الحرب غير النظامية الإثنية العرقية، وتبنت الدولتان جماعات معارضة مسلحة ضد بعضها الآخر، فأدى ذلك إلى مقتل “ملس زيناوي” الذي كان يشغل رئيس وزراء أثيوبيا من عام 1995 إلى مقتله سنة 2012، ومن ثم تحول اهتمام أثيوبيا إلى الداخل، ونتج عنه تهميش الجماعات الإريتيرية داخل البلاد، وعند تولي أبي أحمد المنصب عام 2018م أصيبت الجماعات الإريترية بخيبة أمل من السياسة للجبهة الشعبية لتحرير تغراي تجاهها.
ومع أن التقارب بين حكومة آبي أحمد وحكومة أسياس أفورقي في نهاية عام 2018م بدا منه بصيص أمل للوصول للسلام بين الحكومتين، إلا أنه سرعان مابدا هشًّا، فقد اتخذ الصراع زخمًا جديداً فيما بعد.
أسباب تجدد التصعيد السياسي بين إثيوبيا وأريتريا
في عام 2020 إلى 2022 م ضمت إريتريا قوات تابعة لها إلى جانب الجيش الفيدرالي الأثيوبي مقاتلين ضد جبهة تحرير شعب تيغراي والتي عُرفتْ بحرب تيغراي المدمرة، وانتهت الحرب باتفاق بريتوريا الذي اعتبرته أرتيريا تهميشًا لدورها بإنهاء هذا التحالف الهش، وبالرغم من أن الاتفاق كان هدفه إنهاء الحرب غير النظامية لكنه نتج جذور صراع آخر دون قصد.

بالإضافة إلى تصريحات لرئيس الحكومة آبي أحمد من وقت إلى آخر مفادها أنَّ حدود أثيوبيا المعترف بها دوليًا مع إرتريا عبارة عن خطأ تاريخي يجب تصحيحه، مصرحًا بإمكانية استعادة إثيوبيا لميناء “عصب” وماهي إلا مسألة وقت، حسب تعبيره.
بينما اعتبرت أرتيريا ذلك التصريح تهديدًا مباشرًا يمس بسيادتها والسلامة لأراضيها.(3)
وهذا ما جعل الأزمة تتفاقم بين الدولتين بل قد تطال جذوات الأزمة إلى منطقة البحر الأحمر، ونشوب صراعات وأطراف متعددة في ظل حلم أثيوبيا جيوستراتيجياً بالوصول إلى البحر الأحمر.
وتصاعد التوتر في الفترة الأخيرة حول احتمالية اندلاع حرب كبيرة بين دول القرن الأفريقي، في حين باتت المواجهة المسلحة بين إثيوبيا وأرتيريا تدقُّ ناقوس الخطر.
وإذا كان التوتر بين الدولتين ظاهره رغبة استحواذ أثيوبيا على ميناء عصب، فهناك أسباب جانبية تزيد من الطين بلة؛ منها التصريحات الإعلامية من قبل الجانبين التي بات أثرها على توتر العلاقات واضحًا، إذ وجهت حكومة أريتريا في عيد استقلالها،24 مايو، لأثيوبيا اتهامًا بارتكاب أعمال تخريب سرية وعلنية؛ ومن جانب أثيوبيا فقد ردت وزيرة الدفاع عائشة محمد والسفيرة دينا مفتي بإدانات واتهامات نحو أرتيريا، وحذَّرتا من الخروقات الحدودية المستمرة والتدخل في السيادة الأثيوبية، والتي لا يمكن التسامح بها إلى أجل غير مسمى، حد تعبيرهما.
وفي آخر التصريحات في الأسابيع القريبة الماضية، طالب وزير الخارجية الأثيوبي “جديون تيموثيوس” حكومة أرتيريا بسحب قواتها من أراض قال أنها أثيوبية، وبوقف الدعم لما وصفها من خلايا متمردة نشطة داخل أثيوبيا، مدعيًا أن هذه القوات لأرتيريا باقية منذ حرب التيغراي من دون أي سبب، بينما نفت حكومة أرتيريا ذلك، ووصفتها أنها مجرد ادعاءات.
هل مِن المُرجّح نشوب مواجهة عسكرية بين أثيوبيا وأرتيريا؟
يقول محللون أن المواجهة العسكرية غير محتملة بين أثيوبيا وأرتيريا، وذلك لعدة أسباب، أبرزها أن أثيوبيا تفتقر للموارد العسكرية اللازمة لفتح جبهات في الشمال، حيث أن قواتها تعاني من ضغوط قوية في أمهرة وأروميا، يأتي السبب الآخر في عدم رغبة تيغراي في حرب جديدة حتى وإن كان هناك رغبة لبعض قادتها.
بالإضافة إلى ذلك، هناك ضغوط خارجية ديموغرافية، فبالنظر إلى النمو السكاني الكبير وخاصةً في أثيوبيا، هناك مخاوف من تولد موجات نزوح ناتجة عن الصراع، وبالتالي يشكل تهديداً لأهم طرق الشحن التجاري العالمي في البحر الأحمر، ناهيك عن تفاقم وتدفق الهجرة من منطقة القرن إلى الخليج العربي والدول الأروبية.
وبسبب نفوذ الصين الدبلوماسي، أقامت وساطات خفية بين الطرفين لتهدئة الوضع السياسي المتأزم، وذلك حفاظًا منها على استثماراتها الضخمة في البنية التحتية لأثيوبيا، كما تسعى الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والدول الخليجية بالضغط على كلا الجانبين تحسبًا لمنع أي مواجهة مسلحة. (4)
وهناك سبب أكبر لعدم احتمالية نشوب الحرب بين أرتيريا وأثيوبيا، وهو النظر إلى كلا البلدين من حيث الضعف الاقتصادي، حيث أنّ هذه المناكفات والتراشقات السياسية هي كلها تتجسد في صورة محاولات لإيجاد سبل للتنمية كلٌّ من جانبه، فلو نشبت الحرب ستفقد كلتا الدولتين الطموح للتنمية، مما يجعل الحرب حينها عبثية في نظر الطرفين، إذ أنه لاعقلانية أن تكون الحرب وسيلةّ لتحقيق قوة نمو البلد.
ــــــــــــــــــــــــــ
ـ
المراجــــــع:
(1) كاليندرز: العالم كله في موقع واحد
(2) “مآلات التصعيد الإريتري – الإثيوبي في القرن الأفريقي” دراسة تحليلية للدكتورة: نهى أبو العينين- جامعة القاهرة
(3)الجزيرة-برنامج المتحري- جمال المليكي
(4) موقع رصد أرتيريا “توتر مكتوم بين إثيوبيا وإريتريا..”


