تقرير تحليلي: القرن الأفريقي في قلب الاستراتيجية الأمريكية الجديدة لعام 2026.. إعادة تموضع بحذر ومصالح محددة
تاريخ النشر: 2 فبراير 2026 المصدر: مركز الدراسات الاستراتيجية [اسم مركزك]، استناداً إلى تحليل افتتاحي من موقع “داوان أفريقيا” (Dawan Africa).
مقدمة: عاد القرن الأفريقي ليحتل مكانة حيوية، وإن كانت تُدار بحذر شديد، في الاستراتيجية الكبرى للولايات المتحدة. فمع إصدار وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون) لاستراتيجية الدفاع الوطني لعام 2026 (NDS)، بات واضحاً أن واشنطن، ورغم تركيزها الأساسي على الدفاع عن الوطن الأمريكي وردع الصين في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، فإنها لا تغفل أهمية أفريقيا – وتحديداً القرن الأفريقي – طالما تقاطعت مع مصالحها في مكافحة الإرهاب، الأمن البحري، تنافس القوى العظمى، وتقاسم الأعباء مع الحلفاء.
بدلاً من حملات بناء الأمم أو تعزيز الديمقراطية الواسعة، يعكس النهج الأمريكي الحالي “انتقائية استراتيجية” (Strategic Selectivity): الحد من الانكشاف العسكري المباشر، تمكين الشركاء من تولي زمام المبادرة، والتدخل الحاسم فقط عندما تكون المصالح الأمريكية الجوهرية مهددة. هذا الإطار يشكل الآن postura (موقف) واشنطن تجاه الصومال، إثيوبيا، جيبوتي، كينيا، وإريتريا؛ الدول الخمس التي يرسخ موقعها الجغرافي أهمية البحر الأحمر، خليج عدن، وغرب المحيط الهندي.
المنطق الاستراتيجي: لماذا لا يزال القرن الأفريقي مهماً؟
تُحرك ثلاثة اعتبارات استراتيجية انخراط الولايات المتحدة في القرن الأفريقي، كما يحددها التقرير الأصلي:
مكافحة الإرهاب: تحدد استراتيجية الدفاع الوطني لعام 2026 منع المنظمات الإرهابية الإسلامية من استخدام الملاذات الآمنة الإقليمية لضرب الوطن الأمريكي كهدف أساسي لواشنطن في أفريقيا. ويظل الصومال، موطن حركة الشباب، محورياً لهذا القلق.
الأمن البحري: يقع القرن الأفريقي على أحد أهم ممرات التجارة الحيوية في العالم، حيث يربط البحر الأحمر بالمحيط الهندي. أي اضطرابات – سواء من الإرهاب، القرصنة، أو الصراع الإقليمي – تحمل عواقب اقتصادية عالمية، خاصة في ظل سعي الولايات المتحدة لضمان حرية الملاحة وسط حالة من عدم الاستقرار الأوسع.
تنافس القوى العظمى: على الرغم من أن أفريقيا ليست الساحة الرئيسية للتنافس الأمريكي-الصيني، إلا أن استراتيجية الدفاع الوطني تحذر من التنازل عن التضاريس الاستراتيجية أو النفوذ للمنافسين. وبالتالي، يُنظر إلى البصمات العسكرية والتجارية الصينية – وأبرزها في جيبوتي – من خلال عدسة “الاحتواء عن طريق الإنكار” (Containment-by-Denial) بدلاً من المواجهة المباشرة.
النهج الأمريكي تجاه دول القرن الأفريقي:
1. الصومال: مكافحة الإرهاب دون بناء الدولة
يحتل الصومال مكانة مميزة في الاستراتيجية الأمريكية. تواصل واشنطن النظر إلى حركة الشباب كواحدة من الجماعات القليلة القائمة في أفريقيا التي تمتلك النية والقدرة المحتملة على تهديد المصالح الأمريكية بشكل مباشر. ونتيجة لذلك، يظل الصومال الموقع الأساسي للأعمال العسكرية الحركية الأمريكية (Kinetic Counterterrorism Actions) في القرن الأفريقي.
ومع ذلك، توضح استراتيجية الدفاع الوطني أن هذا الانخراط مستدام من حيث الموارد ومحدود. الولايات المتحدة مستعدة لشن ضربات مباشرة ضد أهداف إرهابية عالية القيمة، لكنها تتوقع من القوات الصومالية والشركاء الإقليميين تحمل الجزء الأكبر من مسؤوليات الاستقرار والأمن. يعكس هذا تحولاً أوسع بعيداً عن المهام العسكرية مفتوحة النهاية نحو تدخلات عرضية مدفوعة بالاستخبارات. سياسياً، تدعم واشنطن المؤسسات الفيدرالية الصومالية، لكن إصلاح الحكم والمصالحة يُعاملان كعمليات يمتلكها الصوماليون وليس كمشاريع تديرها الولايات المتحدة. التركيز ينصب على “منع الانهيار”، وليس “هندسة التحول”.
2. إثيوبيا: الاستقرار أولاً، التحالف ثانياً
تُنظر إثيوبيا أقل من خلال عدسة مكافحة الإرهاب وأكثر كدولة مرساة (Anchor State) إقليمية يؤثر استقرارها على كامل القرن الأفريقي. بعد حرب تيغراي والتوترات الداخلية اللاحقة، ركزت السياسة الأمريكية تجاه أديس أبابا على خفض التصعيد، الحفاظ على تماسك الدولة، وتجنب تجدد الصراع واسع النطاق.
لا تضع استراتيجية الدفاع الوطني إثيوبيا كحليف أمني رسمي، ولا تعطي الأولوية للتكامل العسكري العميق. بدلاً من ذلك، فإن نهج واشنطن عملي (Pragmatic): إثيوبيا المستقرة تساهم في التوازن الإقليمي، تحد من تدفقات اللاجئين، وتقلل من فرص استغلال المتطرفين أو القوى المنافسة للوضع. في الوقت نفسه، يظل صناع السياسة الأمريكيون حذرين بشأن الشراكات المتنامية لإثيوبيا مع الجهات الفاعلة غير الغربية، وخاصة الصين. وتماشياً مع تأكيد الاستراتيجية على تقاسم الأعباء، يُتوقع من إثيوبيا إدارة تحدياتها الأمنية الخاصة دون دعم عسكري أمريكي واسع النطاق، بينما تحتفظ واشنطن بنفوذ دبلوماسي واقتصادي بدلاً من التزامات القوة الصلبة.
3. جيبوتي: تضاريس استراتيجية، منافسة مُدارة
تعد جيبوتي، بلا شك، العقار الاستراتيجي الأكثر قيمة في القرن الأفريقي. باستضافتها القاعدة العسكرية الأمريكية الدائمة الوحيدة في أفريقيا – معسكر ليمونييه – فهي لا غنى عنها للعمليات الأمريكية التي تغطي شرق أفريقيا، شبه الجزيرة العربية، والمحيط الهندي.
في الوقت نفسه، تستضيف جيبوتي أيضاً أول قاعدة عسكرية خارجية للصين. تضع استراتيجية الدفاع الوطني هذا الواقع ضمن قلق أوسع حول الوصول إلى التضاريس الرئيسية وخطر اكتساب الخصوم نفوذاً على نقاط الاختناق الاستراتيجية.
وبالتالي، فإن استراتيجية واشنطن في جيبوتي هي استراتيجية “التعايش المُدار” (Managed Coexistence): الحفاظ على التفوق التشغيلي وحرية العمل دون استفزاز مواجهة مباشرة. وهذا يشمل الاستثمار المستمر في البنية التحتية للقاعدة، قدرات الاستخبارات، واللوجستيات الإقليمية، مع تعزيز مصلحة جيبوتي دبلوماسياً في الشراكات الخارجية المتوازنة بدلاً من الاعتماد المفرط على أي قوة واحدة.
4. كينيا: الشريك الإقليمي المفضل
تحتل كينيا موقعاً مفضلاً في الاستراتيجية الإقليمية الأمريكية. على عكس الصومال، لا تُعامل بشكل أساسي كساحة معركة لمكافحة الإرهاب، بل كشريك قادر على القيادة في قضايا الأمن والاستقرار في شرق أفريقيا.
تؤكد استراتيجية الدفاع الوطني على تحفيز وتمكين “الحلفاء النموذجيين” (Model Allies) الذين يستثمرون في دفاعهم ويساهمون في الأمن الإقليمي. كينيا تتناسب مع هذا الملف. فهي تستضيف منشآت عسكرية أمريكية، تتعاون بشكل وثيق في الاستخبارات ومكافحة الإرهاب، وتلعب دوراً نشطاً في الصومال من خلال البعثات الإقليمية.
مع تقليص الولايات المتحدة لبصمتها المباشرة، من المرجح أن ينمو دور كينيا كمركز أمني – عسكري، دبلوماسي، ولوجستي. يتماشى هذا مع تفضيل واشنطن الأوسع للقيادة غير المباشرة من خلال شركاء إقليميين قادرين.
5. إريتريا: المسافة الاستراتيجية والاحتواء
تظل إريتريا الفاعل الأكثر عزلة في القرن الأفريقي من منظور واشنطن. لا تتصور استراتيجية الدفاع الوطني إريتريا كشريك أو مسرح ذي أولوية، لكن السياسة الأمريكية تتشكل من خلال القلق بشأن الدور الإقليمي التخريبي لأسمرة وتحالفها مع منافسي الولايات المتحدة.
بدلاً من الانخراط، فإن نهج واشنطن تجاه إريتريا هو نهج “المسافة الاستراتيجية” (Strategic Distance): مراقبة أفعالها، تثبيط السلوك المزعزع للاستقرار من خلال الضغط الدبلوماسي، ومنعها من أن تصبح عقدة (Node) لإسقاط القوة المنافسة في ساحة البحر الأحمر.
الخلاصة: استراتيجية للقرن الأفريقي تحددها “ضبط النفس”
في مجملها، تعكس الاستراتيجية الأمريكية تجاه القرن الأفريقي تحولاً أوسع محدداً في استراتيجية الدفاع الوطني لعام 2026: بعيداً عن الالتزامات الواسعة ونحو انخراط مركز ومدفوع بالمصالح. المنطقة مهمة، لكنها لم تعد تُعامل كساحة مركزية للقيادة العالمية الأمريكية.
بدلاً من ذلك، تسعى واشنطن إلى:
-
منع التهديدات الإرهابية للوطن الأمريكي.
-
تأمين الممرات البحرية والوصول الاستراتيجي.
-
تجنب التنازل عن النفوذ للقوى المنافسة.
-
ودفع الدول الإقليمية لتحمل المسؤولية الأساسية عن أمنها الخاص.
هذا النهج يقلل من انكشاف الولايات المتحدة مع الحفاظ على النفوذ الاستراتيجي. بالنسبة لدول القرن الأفريقي، يعني هذا ضمانات أقل – ولكن أيضاً استقلالية أكبر. وبالنسبة للولايات المتحدة، يعكس هذا واقعية صارمة: القرن الأفريقي مهم ليس لما هو عليه، ولكن لكيفية تقاطعه مع القوة العالمية، الأمن، والتجارة في عالم يزداد تنافساً.
إشارة إلى المصدر الأصلي:
يستند هذا التقرير التحليلي بشكل كبير إلى الافتتاحية المنشورة على موقع “داوان أفريقيا” (Dawan Africa) بتاريخ 2 فبراير 2026، تحت عنوان: “الولايات المتحدة، القرن الأفريقي، واستراتيجية الدفاع الوطني لعام 2026”. يمكنكم الاطلاع على النص الأصلي من خلال الرابط التالي: [Editorial: The U.S., the Horn of Africa, and the 2026 National Defense Strategy | Dawan Africa | Dawan Africaا]


