تحرير:فريق منتدى رؤية القرن
لم يكن اهتمام دولة الإمارات بمشاريع الفضاء قائمًا على الأحلام فقط لتقفز من الصفر، بل بدأت بالاهتمام ببنيتها التحتية لتصنع بيئة ملائمة لجلب الباحثين واستضافة التجارب العلمية الأولية داخل البلد، فعلى سبيل المثال سُجِّلَت أولى تجارب ناجحة في مجال التطوير البيولوجي كتجارب “التهجين” بين الكائنات الحية في عقد الثمانينيات من القرن الماضي.
وفي المجال الصناعي التكنولوجي، بالإضافة إلى تحولها إلى مركزًا مهمًا من مراكز الاقتصاد العالمي؛ وعندما وجدت نفسها أنها لا ينقصها شيء مما تملكه الدول العالمية المتقدمة، خطت خطوتها المفصلية لتجعل طموحها موجهًا نحو اكتشاف الفضاء.
إن الاهتمام الفعلي باستكشاف الفضاء من قبل الإمارات العربية المتحدة منذ عهد الشيخ/ زايد بن سلطان آل نهيان رحمه الله في سبعينيات القرن الماضي، حينما التقى بفريق لوكالة الفضاء الأمريكية “ناسا” المسؤول عن رحلة “أبولو” إلى القمر، ومنذ ذلك اللقاء تحفّزت دولة الإمارات لتطوير اهتمامها بمجال الفضاء كحلم، وتجسد ذلك الحلم في عام 1997م بتأسيس شركة الثريا للاتصالات، وبعد عشر سنوات قامت بتأسيس شركة “الياه سات” الفضائية.
أبرز إنجازات الإمارات الفضائية:
تتمثل البداية للإمارات العربية المتحدة في تأسيس شركة “الثريا” للاتصالات كأول خطوة عملية في عام 1997م، ثم تلى ذلك إنشاء مؤسسة الإمارات للعلوم والتقنية المتقدمة (إياست) عام 2006.
وبحلول عام 2009م قامت فعليًا بإطلاق القمر الصناعي “دبي سات 1” كأول قمر صناعي لها، ثم أطلقت عام 2013 القمر الصناعي “دبي سات2″، وبعد ذلك تلت خطوتها المفصلية التي تتمثل بتأسيس وكالة الإمارات للفضاء رسمياً في 2014.
وأعلنت الإمارات العربية المتحدة عن انضمامها إلى مشروع تطوير وإنشاء محطة الفضاء القمرية (Gateway) عام 2015 إلى جانب الولايات المتحدة واليابان وكندا والاتحاد الأوروبي.(1)
وعَمَدت في عام 2018 بإطلاق “خليفة سات”، أول قمر صناعي مطوَّر بالكامل بأيدٍ إماراتية، وفي العام التالي قامت بإرسال أول رائد فضاء إماراتي (هزاع المنصوري) إلى محطة الفضاء الدولية.
وبحلول عام 2021 إلى عام 2022 أعلنت عن نجاح إطلاق ووصول “مسبار الأمل” إلى مدار المريخ، حيث ذكر،حينها، الدكتور أحمد بالهول الفلاسي، رئيس مجلس إدارة وكالة الإمارات للفضاء، أن الإمارات بالفعل شهدت دخول المسبار مدار المريخ 2021، وحدث تقدُّمًا ملحوظًا في مخرجات المسارات العلمية، واتساع منظومة الفضاء الوطنية بارتفاع عدد الجهات العاملة في قطاع الفضاء إلى ثلاثة أضعاف، مع تقدم ملحوظ في البحث والتطوير.
وكان هدف هذه المهمة استكشاف الغلاف الجوي للمريخ وظواهره الطبيعية والمُناخية، بالإضافة إلى أبحاث حول قمر المريخ الأصغر “ديموس”، وبالتالي تتبلور كل تلك الجهود الاستكشافية للمريخ للتوصل إلى معلومات دقيقة حول ما إذا كان كوكب المريخ صالحًا للعيش فيه.
مسبار الأمل الفضائي:

مسبار الأمل هو مركبة فضائية تتميز بكفاءة عمل أجهزتها مثل الكاميرا الرقمية (EXI) للاستكشاف، والمقياس الطيفي بأشعة (EMIRS) تحت الحمراء، ومقياس طيفي فوق بنفسجي (EMUS)، وتتميز أيضًا بقدرتها على جمع بيانات متناهية الدقة حول الظواهر المناخية للمريخ، حسب أدلة علمية دقيقة.
وقال المهندس محسن العوضي، مدير إدارة المهمات الفضائية في وكالة الإمارات للفضاء: إنّ مسبار الأمل حقق إنجازًا علميًا جديدًا، حيث توجهت أجهزته بعيدًا عن المريخ نحو السماء راصدةً المذنب العابر I/ALTAS3.
مهمة استكشاف فضائي في المستقبل:

أعلنت وكالة الإمارات للفضاء في وقت سابق بتجهيزها لمهمة فضائية بحلول عام 2025م، ولكن في عام 2021 صرح الدكتور أحمد الفلاسي، رئيس مجلس إدارة وكالة الإمارات للفضاء أن الوكالة قررت تأجيل المهمة إلى عام 2028م، وأكد أن قرار التمديد للمهمة إلى عام 2028م يجسِّد حرص دولة الإمارات على تعزيز ودعم الأثر العلمي لاستثماراتها في الفضاء، وشعورها كشريك مسؤول في منظومة البحث العلمي الدولي، ومن أجل تطويع علوم الفضاء لخدمة الإنسان، بالإضافة إلى الأسباب الفنية والبرمجية، كتوفير بيانات علمية قيمة، وخبرة تشغيلية وميدانية للمهمات الفضائية الحالية والمستقبلية في أعماق الفضاء، مع الاستمرار في تقديم معلومات مهمة عن الغلاف الجوي لكوكب المريخ.
وفي هذا التصريح عن تأجيل المهمة الفضائية المقررة في 2025 إلى عام 2028م كشف عن أهداف المهمة، حيث تضمن هدفها في استكشاف كوكب الزهرة، وحزام الكويكبات داخل المجموعة الشمسية بين المريخ والمشتري، وتتطلب هذه المهمة بناء مركبة فضائية إماراتية قادرة على قطع رحلة بمسافة 3.6 مليار كيلومتر في زمن أرضي يقدر بـ 5 سنوات للوصول إلى كوكب الزهرة، وذلك باعتبار الهبوط على آخر كويكب في عام 2033، وذلك لبعده عن الأرض 560 مليون كيلومتر، وبهذا، تكون مهمة استكشاف الزهرة وحزام الكويكبات أول استكشاف فضائي عربي من نوعه.
مدينة المريخ الإماراتية 2117:

بواسطة الواقع الافتراضي قبل سنوات، استعرض صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم فيديو مشروع المريخ 2117، وكان ذلك من خلال مفاهيم تستند إلى البيانات العلمية الطبوغرافية للمريخ، حيث تعرض المشاهد جولة تعريفية تلقي الضوء على سبل ابتكار بيئة قابلة لحياة البشر على الكوكب ذي اللون الأحمر، معزِّزا الوعي بالتطور المستقبلي للفضاء.
وأشار الفيديو الافتراضي أنه بحلول عام 2050 إلى عام 2117م تكون بهذه الفترة المحددة قد حققت دولة الإمارات حلم تشييد مدينة سكنية على كوكب المريخ من خلال “مشروع المريخ 2117″، حيث أنها في عام 2071 ستطلق رؤية المئوية الإماراتية 2071، مشَكِّلةً خارطة عمل حكومي طويل المدى، من أجل تعزيز سمعة الدولة وقوتها الناعمة.
خاتمة:
بات من المعروف والمتداول منذ أواخر القرن العشرين وحتى اليوم توجُّه دولة الإمارات العربية المتحدة نحو الاستثمارات الضخمة في الأبحاث التطبيقية، وفي عالم التكنولوجيا الرقمية، وعالم السليكون، حيث استطاعت الإمارات منذ عقود أن تصبح مركزًا عالميًا مهمًا للأبحاث العلمية، مثل الأبحاث البيولوجية في تجارب التهجين وغيره، والأبحاث الصناعية المتقدمة في إنتاج الإلكترونيات والأجهزة الرقمية، كما أحرزت مؤخرًا مركزًا عالميًا مهمًا في أبحاث الذكاء الاصطناعي وتطبيقاته على أرض الواقع لخدمة الإنسان بشكل منظم وغير محدود، إذ باتت مركزًا استثماريًا كبيرًا، وبمبالغ استثمارية هائلة طوعت الذكاء الاصطناعي في معظم مجالات الحياة، رابطةً الشرق بالغرب بسيرفرات عملاقة مشغلةً ومولدةً لعالم الذكاء الاصطناعي في مجالات متعددة من مجالات الحياة.
وبالتالي، إنّ النظر إلى دولة الإمارات كدولة تكنولوجية بحتة لها ثقلها العالمي ذات مركز مهم في عِداد الدول المتقدمة علميًا، يجعلنا نؤمن بواقعية قدرتها على استكشاف الفضاء، كما إن التحدث عن مهمات فضائية تطلقها الإمارات بات معقولًا وواقعيًّا، بل أصبح أمرًا هينًا وميسورًا بالنسبة لها وليس من قبيل الحلم والطموح، ومثلما طوّعت علوم التكنولوجيا العالمية المتقدمة وجعلتها في متناول يدها كدولة محورية في الشرق الأوسط، بل أصبحت متحكمةً ومصدرةً لهذه العلوم، فإنه يمكنها أيضًا التنافس والتقدم في علوم الفضاء، وتحقيق مشاريعها الفضائية المستقبلية بجدارة.
المــــــراجع:
- سكاي نيوز عربية
- وكالة الإمارات للفضاء: space.gov.ae
- مركز الإمارات للدراسات والبحوث الإستراتيجية: www.ecssr.ae/ar
- البوابة الرسمية لحكومة الإمارات u.ae/ar.com


